ابنا : ما فسّر بأنه رسالة إيرانية متعددة الدلالات والإتجاهات إن كان على صعيد إثبات جهوزية الجمهورية الإسلامية للمواجهة العسكرية، خاصة وأنّ الطائرات التي تم إسقاطها مجهزة بتقنيات تجعلها عصيّة على الرادارات الموجودة في أكثر الدول تطوراً، أو على صعيد المواجهات السياسية التي تعصف في ملف المفاوضات النووية بين إيران والغرب. فالإعلان الأوّل من نوعه يسبق جولة المفاوضات الجديدة المقرر عقدها في تركيا بأيام معدودة والتي تتزامن بدورها مع تسوية سعودية - سورية حول المحكمة الدولية بدأت أصداؤها تتردد في أروقة السياسة اللبنانية. وبعد يوم واحد من هذا التطوّر جاء الإعلان الثاني وهو تسلّم الوحدات الميدانية في القوات البحرية التابعة للجيش الإيراني أنظمة صواريخ كروز جديدة محلية الصنع خلال مراسم حضرها وزير الدفاع اللواء أحمد وحيدي. فجاء الحدث الثاني ليقطع الشك باليقين ويبعث بإشارات للعدو والصديق بأن إيران هي اليوم أكثر جهوزية في حال اندلاع أي مواجهة بعد أن أنهت سلسلة المناورات العسكرية التي أجرتها العام الماضي، فالمناورات هذه لم تأتِ من فراغ بل حملت معها دلالات ورسائل مفادها أن القوة العسكرية الإيرانية لا يستهان بها إن كان على صعيد البحر أو البر أو الجو. وفي هذا السياق يرى الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور حبيب فياض أنه أصبح "من الواضح أن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية تمرّ في مرحلة حساسة جداً وربما يمكننا وصفها بالمرحلة الإنعطافية، فمن ناحية يمكن أن تصل الأزمة بين البلدين إلى حلّ وتسوية ومن ناحية أخرى يجب علينا أن نتوقع صداماً بينهما. ويتضح لنا أيضاً أن أمريكا تحاول الضغط على إيران على أكثر من صعيد فالولايات المتحدة تأمل أن ترضخ الجمهورية الإسلامية في مفاوضاتها مع الغرب في الملف النووي، وعلى صعيد آخر تريد أمريكا أن تقدّم إيران مساعدات على مستوى الأزمة الأفغانية التي يعاني منها المعسكر الغربي هناك". ويتابع فياض في حديث لموقع قناة المنار: "من هنا جاء إسقاط الطائرتين الغربيتين ليؤكد أن طهران لن ترضخ للضغوطات والتهديدات الأمريكية مهما كان شكلها حتى لو وصلت إلى حد الإستفزاز العسكري والأمني، وليثبت أن إيران ليست مستعدة أبداً لتقديم التنازلات مهما كلّف الأمر". ويضيف فياض "هناك مسألة تزيد من حساسية الموضوع وهي التسوية السورية – السعودية حول المحكمة الدولية التي تحتاج إلى موافقة أمريكية والتي ربطتها واشنطن بتنازلات على الساحة الأفغانية، ولكن مرشد الجمهورية الإسلامية قد اعتبر في وقت سابق أن بلاده تعتبر المحكمة الدولية غير شرعية ولا قيمة لها وهي بحكم اللاغية مما يدل على أنطهران غير مستعدة للمساومة في هذا المجال، فجاء ردها للتأكيد أن لعبة المساومة الأمريكية لن تؤدي إلى نتيجة وأنها مرتاحة على وضع المقاومة في لبنان. هذا وتؤكد اللعبة الأمريكية عمق الأزمة التي تعيشها واشنطن في لبنان والعراق وأفغانستان من جهة، واقتراب إيران من تحقيق أهدافها النووية من جهة أخرى". ويرى فياض أنّ "طهران أرادت من الإعلان إظهار أقصى درجات الإستعداد للتصدي لأي شكل من أشكال العدوان، فالحسابات الإيرانية تلحظ التغيير في المنطقة والذي يتجلى اليوم بتراجع أمريكي واضح، فإذا أراد الغرب المفاوضات فطهران جاهزة أما إذا أراد التصعيد والمواجهة فهي على أتم الجهوزية والإستعداد لذلك". ويشير الخبير في الشؤون الإيرانية إلى "تراجعٍ غربي واضح في التعامل مع الملف النووي الإيراني، فدول الـ 5+1 لم تقبل يوماً بإجراء مفاوضات خارج جنيف ولكنها اليوم وافقت على التفاوض مع الإيرانيين في اسطنبول، وإن صح ما أشيع فالجولات القادمة ستكون في البرازيل وطهران، وهذا يدل على ضعف المعسكر الغربي وعلى أن الملف النووي الإيراني لم يعد له الأولوية، فقد أصبح أمراً واقعاً لا تراجع عنه، وهنا يريد الجانب الغربي حلّ المسألة الأفغانية التي باتت تشكّل الأولوية له بعد العراق". أما على صعيد الإستفادة المادية التي يمكن أن تحققها إيران من هذا الصيد الثمين فيرى الدكتور فياض أن "العبارة التي استخدمها البيان الإيراني هي إسقاط وليس تفجير أو تدمير وبهذه الحالة يمكن لطهران أن تحصل على المعلومات التجسسية التي كانت هذه الطائرات تعمل على جمعها، بالإضافة إلى إمكانية الإستفادة من التقنية المتطورة الموجودة في تلك الطائرات". واستغرب فياض قول البعض بأن هذه الطائرات صهيونية مستبعداً هذا الأمر "فلو كانت اسرائيلية لكان الإيرانيون قد استخدمو مصطلح طائرات عدوّة وليس غربية، هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فلمَ يرسل العدو طائراته إلى السماء الإيرانية مع ما يثيره هذا التصرف من ردات فعل هو بغنى عنها حالياً، في حين أن الطيران الأمريكي في أفغانستان المجاورة لإيران هو تحت تصرفه ساعة يشاء وللمهمة التي يريدها". يبدو بأن الملفات في المنطقة أصبحت على صفيح ساخن، والأوراق المبعثرة بداخلها في حالة غليان، وإناء المواجهة والتسوية واحد، فإما المواجهة بكافة أوجهها والفائز "صحتين على قلبه" وإما تسوية اللا غالب واللا مغلوب ظاهرياً، أما في الجوهر فيعلم الغرب وأمريكا معه بأنّ معسكر المقاومة والممانعة قد فاز في كلا الحالتين. فعلى الرغم من الإستفزازات الأمريكية – الإسرائيلية – البريطانية الأخيرة، يعلم القاصي والداني بأن قوات حلف شمال الأطلسي المحتلة تبحث عن مخرج مشرّف من المنطقة، وأنّ الإدارة الأمريكية قد بلعت ما يكفي من المياه العكرة في المستنقع العراقي الذي غرق فيه الآلاف من جنود الإحتلال، وأنّ الوضع في أمريكا اليوم أشبه بما كان عليه الوضع في كيان العدو عام 2000 حين وعد باراك الصهاينة يومها بالإنسحاب من جنوب لبنان إن انتخبوه وهذا ما حصل، فمن يسير في حرب جديدة جمهورياً كان أم ديموقراطياً كأنما يسير في درب الجلجلة، وفي هذه الحالة الغربية المزرية لا مجال لإعلان حرب. أما إن أقرّت التسوية فلن تكون إلا لمصلحة معسكر المقاومة والممانعة بعدما أثبتت ما تسمى بالقوى العظمى عجزها عن المواجهة وعن تحمّل العواقب الوخيمة لأي غباء غربي.
انتهی/137